Saturday, May 14, 2011

دراسات المسلمين للأديان في ضوء إشكالية الموضوعية


THIS NOTE IS GIVEN TO ME BY A FRIEND WHICH IS WRITTEN BY A STUDENT FOR SHARING, PLEASE CORRECT ANY MISTAKES FOUND USING THE COMMENTARY BOX BELOW, THANKS & MAY ALLAH BLESS ALL OF US) ^_^  

دراسات المسلمين للأديان في ضوء إشكالية الموضوعية
قد ارتبطت المناهج العلمية في دراسة الأديان بإشكالية الموضوعية والذاتية. وازداد النقاش حاراً حولها بانتشار الزعم بين الغربيين بعدم صلاحية دراسات المسلمين للأديان لعدم توفر عنصر الموضوعية في دراساتهم. حيث اتهم جاقس واردنبرخ (Jacques Waardenburgh) المسلمين بأنهم لم يعرفوا الأديان الأخرى أصلا بل كانت دراساتهم هي الدراسة المبنية على التصورات والتخيلات، لاعتقادهم بأن الإسلام هو وحده الدين الحق[1]. فعلى أساس ما سماه الغرب بـ"الموضوعية"، قد اعتبر فريدريخ ماكس موللر (1823-1900) كمؤسس لدراسة مقارنة الأديان، وأما التراث الإسلامي الجزيل في دراسة الأديان مرفوض ومتروك لذاتيته وتحيزه، ونادوا بالدراسة الموضوعية التي تدرس الأديان كما تدرس اللغات[2]. 
فقياس دراسة الأديان بدراسة اللغات هو القياس مع الفارق؛ لكون الأديان موضوعها الحق والباطل، وأما اللغات فموضوعها التنوع. والإسلام قد اعتبر جميع اللغات، فلا يمكن لأحد أن يقول مثلا: "هذه اللغة هي الحق أما اللغات الأخرى فباطلة"؛ بخلاف الأديان لكون موضوعها هو أمور اعتقادية، فالمسلم عندما اعتقد بسواسية الأديان فلم يبق مسلماً. فالنداء إلى دراسة الأديان كما تدرس اللغات هو النداء الذاتي المقصود به إبطال الإيمان والإسلام. فعلماء المسلمين المعاصرين مثل سيد حسين نصر قد قرر بأن المسلمين هم المؤسسون لدراسة مقارنة الأديان وليس الغرب لوجود مؤلفات كثيرة حول دراسة الأديان[3]. فقبل أن ندقق النظر في دراسات المسلمين للأديان في ضوء إشكالية الموضوعية، فلا بد علينا أن نلقي الضوء على مفهوم الموضوعية وفي مقابلها الذاتية.
مفهوم الموضوعية والذاتية
فالموضوعية كما شرحها الدكتور عبد الوهاب المسيري عبارة عن "إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره"[4]، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل. وبعبارة أخرى تعني الموضوعية: "الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودًا ماديًا خارجيًا في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها...وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها مستقلة عن النفس المدركة إدراكًا كاملاً"[5]. وعلى الجانب الآخر بيّن الدكتور عبد الوهاب المسيري بأن كلمة الذاتيّ تعني الفردي، أي ما يخص شخصًا واحدًا، فإن وُصِف شخص بأن تفكيره ذاتي فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه، ويُطلق لفظ ذاتيّ توسُّعًا على ما كان مصدره الفكر وليس الواقع. ويعتبر الذاتيّ في الميتافيزيقا رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده، أما الموضوعيّ فهو رد كل الوجود إلى الموضوع المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن الذاتية تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعيّ، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما الموضوعية فترى إمكانية التفرقة. وفي علم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر إنما يقوم على اعتبارات شخصية؛ إذ لا توجد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية الوصول إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح[6].
فيأتي السؤال هنا؛ فهل يمكن لعقل إنسان أن يتخلى تماماً عن معتقداته، وعن أفكاره، وعن آرائه الشخصية في دراسته وبحثه؟ فبيّن الدكتور المسيري أن هذا أمر غير ممكن كما اعترفه علماء الغرب مثل وليام ديلتاي:
فترتبط إشكالية الموضوعية والذاتية بالمفارقة بين الظاهرة الطبيعة والظاهرة الإنسانية. فقد طغت التصوُّرات المادية التي تُوحّد بين الظاهرتين في الفلسفة الغربية، ويعود إسهام علماء مثل وليام ديلتاي (1833 - 1911) إلى محاولة التنبيه إلى أن ثمة فارقًا جوهريًا بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية، فقد أكد أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرّانية، وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن؛ فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جُوَّانية (معنى - ضمير - إحساس بالذنب - رموز - ذكريات الطفولة - تأمل في العقل) وبالتالي فهناك مناهج مختلفة لدراسة كلتا الظاهرتين[7].
        واستخلص أستاذ الأديان المقارنة المساعد، جامعة آل البيت، الأردن، عامر الحافي بعض النقاط المهمة حول الموضوعية كما يلي:
أولاً: المطابقة للواقع، والمقصود بها: أن تكشف وتطابق القضية المعرفية ما يحصل خارج الذهن... ثانياً: إمكانية التقويم للجميع، فالحقائق التي يثبتها العالِم قد تَمَََّ الوصول إليها بطريقة تتاح محاكمتها، والتدقيق في منهج تحصيلها... ثالثاً: البعد عن الأحكام القيمية والإيديولوجية، أي أنَّ المنهج الموضوعي لا ينبغي أن تتدخل فيه الأحكام القيمية والرغبات الشخصية... والموضوعية عملية بحثية، ومراجعة نقدية متواصلة، تعيد النظر في مجمل معارفنا الإنسانية؛ ولذلك فإنَّ إعطاء الموضوعية مفهوماً وممارسة محددة ونهائية، قد يسهم عن غير وعي بالتحيز إلى موضوعية نمطية جامدة. وعلى ذلك فإنَّ تعريف الموضوعية، الذي يتناسب مع حقيقة معناها وهدفها، يجب أن يكون تعريفاً متحركاً وقابلاً للتطور. ومن ناحية ثانية فإنَّ تعريف الموضوعية يبقى قابلاً للاختبار والتأكد من صحته عن طريق إعادة اكتشاف الحقيقة، من خلال العديد من الباحثين، والتوصل لاتفاق جماعي حول هذه الحقيقة[8].    

دراسات المسلمين للأديان في ضوء إشكالية الموضوعية      
فإن علماء المسلمين قد أعطى عناية عظيمة بعلم أصول الدين ودراسة الأديان فيخرجون منها ثروة فكرية رائعة تبرز جمال الإسلام ورجحانه على سواه، كما أنه يمسك القضايا الدينية ويشرحها ويبرز عناصرها، ويقارن بينها[9]. ويمكن تصنيف هذه الدراسات إلى اتجاهين على النحو التالي:
أولاً: الكتابات النقدية والجدلية على أساس علم أصول الدين
ومن أبرز هذه الكتابات: التمهيد للباقلاني، والفرق بين الفرق للبغدادي، والفصل في الملل والأهواء والنِّحَل لابن حزم الأندلسي. قد انتقد هؤلاء العلماء النـزعة الجدلية التي وقع فيها المتكلمون في نقدهم للمعتقدات المخالفة، ورأى أنَّ الجدل يبين الصواب.
فمن الأقوال التي تبرز منهج البغدادي الجدلي قوله:
قلنا للسبئية: إن كان مقتول عبد الرحمن بن ملجم شيطاناً تصور للناس فس صورة علي فلم لعنتم ابن ملجم؟ وهلا مدحتموه؛ فإن قاتل الشيطان محمود على فعله غير مذموم به؟ وقلنا لهم:  كيف تصح دعواكم أن الرعد صوت علي والبرق سوطه، وقد كان صوت الرعد مسموعا، والبرق محسوسا في زمن الفلاسفة قبل زمان الإسلام؛ ولهذا ذكروا الرعد والبرق في كتبهم واختلفوا في علتهما؟ ويقال لابن السوداء: ليس علي عندك وعند الذين تميل إليهم من اليهود أعظم رتبة من موسى، وهارون، ويوشع بن نون، وقد صح موت هؤلاء الثلاثة، ولم ينبع لهم في الأرض عسل ولا سمن سوى نبوع الماء العذب من الحجر الصلد لموسى وقومه في التيه، فما الذي عصم علياً من الموت وقد مات ابنه الحسين وأصحابه بكربلاء عطشاً ولو ينبع لهم ماء فضلا عن عسل وسمن؟![10].
وابن حزم في تفنيده لآراء الأناجيل أو التوراة يعتمد على الأوليات العقلية والمقدمات البدهية، فيقدم بين يدي القارئ النص من الإنجيل أو التوراة ثم يوضح ما فيها من التناقض أو استحالة أو خروج على قواعد العقل. ومن ذلك ما أورده نقلا عن سفر الخروج من أن الله قال لموسى: "إنه سيهلك بني إسرائيل، وسيقدمه هو على أمة أخرى عظيمة، وكان الله يكلم فما لفم كما يكلم المرء صديقه، فلم يزل موسى يتودد إلى ربه ويطلب إليه المغفرة حتى أخذ الرب بقول موسى، ورضي عن شعب إسرائيل". ثم يعقب ابن حزم على هذه الواقعة بقوله: "إن في هذا الفصل من السخف غير قليل، لأن فيه البداء، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وفيه التكليم فما لفم، وتحقيق التجسيم والتناقض على الباري تعالى في كلامه وفعله دون تأويل، ولا مخرج لهم من هذا"[11].
وذكر المحقق لهذا الكتاب منهج ابن حزم في النقد والمناقشة:
وابن حزم حاد اللسان في مناقشة خصومه، يستعمل معهم كلمات جارحة قاسية كقوله: "فعليهم ما يخرج من أسافلهم"، وقوله: "لقد هان من بالت عليه الثعالب"، وقوله: "هؤلاء الأنذال الكفرة"، "ولو لم يكن في توراتهم إلا هذه الكذبة وحدها لكفت في أنها موضوعة مبدلة من حمار في جهله"، "وأراد أن يخرج هذا الساقط من مزبلة فوقع في كنيف عذرة"، "وما افتراه الكفرة أسلافهم الأنتان"، "لعنة الله وغضبه عدد كل شيء خلق الله"، "أتراه بلغ المسخم الوجه الذي كتب لهم هذا الكتاب الأحمق من الجهل بالحساب هذا المبلغ؟"، "لقد كان الثور أهدى منه، والحمار أنبه منه بلا شك". وهكذا تظهر حدة انفعاله، حتى يخرجه الغضب والحنق إلى استعمال هذه الشتائم، وتلك الأساليب القاسية العنيفة[12].
وهذا الاتجاه ما وصفه الغرب بعدم الموضوعية أو الدراسة الذاتية، فأدخلوه في علم اللاهوت؛ ويسمى هذا العلم عند المسلمين بعلم أصول الدين أو علم الكلام. ففرق العلماء بين علم أصول الدين وعلم مقارنة الأديان أو دراسة الأديان؛ من حيث أن الأول على المنهج الجدلي والثاني على المنهج الوصفي البياني.

ثانياً: الكتابات الوصفية والتحليلية والمقارنة
وهي تُعنى ببسط الآراء والمعتقدات ووصفها وبيانها أكثر من اهتمامها بنقدها وتقويض أسسها، مع المقارنة بين المنظومات الدينية إلى استنتاج يتعلّق بأقسام الاعتقاد. ومن أمثلة كتب هذا الاتجاه "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري، و"الملل والنحل" للشهرستاني، و"تحقيق ما للهند" للبيروني. فالعلماء المعاصرون يسمونها بالمنهج الوصفي البياني. وهذا المنهج ما قرره الغرب بالدراسة الموضوعية، ولكن علماء الغرب اقتصروا على الوصف والبيان في دراسة الأديان، وأما التحكيم والتقييم فمتروك للقراء.  
ولكن الفاروقي قد أكد بأن ورود التحكيمات والتقييمات والتحقيقات والمواقف المعينة في دراسات المسلمين ليس بمناف للدراسة العلمية الصحيحة ما دامت هذه التحكيمات حسب القواعد والضوابط العلمية المعقولة[13]. فبيّن الفاروقي بأن معيار الحكم مهم لأن المعرفة لا يقتصر على جمع البيانات فحسب، ولكن الأهم هو المعرفة التي تتكون في تقييم البيانات[14].
فلذلك نرى أن الإمام أبو الحسن الأشعري قد حاول قدر الإمكان أن يصف مقالات واعتقادات الفرق المنسوبة إلى الإسلام كما هي، فقد ذم من يصفها بالتفريط والإفراط، فقال مثلا:
فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين، فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار وأنا مبتدئ شرح ذلك بعون الله وقوته[15].
ومع ذلك في بيانه لكلام الفرق الضالة، قد يظهر كذلك مواقفه من هذا الكلام، فمثلا:
وفي الأمة قوم ينتحلون النسك يزعمون أنه جائز على الله -سبحانه!- الحلول في الأجسام وإذا رأوا شيئاً يستحسنونه قالوا: لا ندري لعله ربنا. ومنهم من يقول أنه يرى الله -سبحانه!- في الدنيا على قدر الأعمال؛ فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن. ومنهم من يجوز على الله -سبحانه!- المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، وجوزوا مع ذلك على الله - تعالى عن قولهم - أن نلمسه. ومنهم من يزعم أن الله -سبحانه!- ذو أعضاء وجوارح وأبعاض لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح، تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً[16].
فلم يكتف الإمام الأشعري بوصف هذه الفرقة فحسب بل بيّن موقفه من هذه الآراء المزعومة المستحيلة في حق الله تعالى. واستعمل في بعض الأحيان كلمة "زعم" التي تدل على موقفه من هذا الكلام، مثلا:
وحكى عنه (ابن الراوندي) أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلت عليه وحكي عنه أنه قال: هو جسم لا كالأجسام ومعنى ذلك أنه شيء موجود[17].
وفي بعض الأحيان لم يبين موقفه واكتفى بذكر مقالات الفرق بدون كلمة "زعم"، مثلا في بيانه عن مقالات المرجئة:
وقال قائلون منهم بالتشبيه فهم ثلاث فرق: فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب مقاتل بن سليمان أن الله جسم وأن له جمة وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه. وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب الجواربي مثل ذلك غير أنه قال: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك. وقالت الفرقة الثالثة منهم: هو جسم لا كالأجسام[18].
وكذلك نرى أن الإمام الشهرستاني أظهر موقفه من الديانات الأخرى بالوضوح عند قوله في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة:
ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب. وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب. وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل. فأرباب الديانات مطلقا مثل المجوس، واليهود، والنصارى، والمسلمين. وأهل الأهواء والآراء مثل الفلاسفة، والدهرية، والصائبة، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة[19].
فقد أظهر موقفه من الفلاسفة، والدهرية، والصائبة، وعبدة الكوكب والأوثان، والبراهمة بأنهم من أهل الأهواء والآراء.
وفي كلامه عن اليهود جاء بتعريف اليهود من المنظور الإسلامي:
هاد الرجل: أي رجع وتاب؛ وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لقول موسى عليه السلام: ]إنا هدنا إليك[ أي رجعنا وتضرعنا. وهم: أمة موسى عليه السلام، وكتابهم التوراة، وهو أول كتاب نزل من السماء؛ أعني: أن ما كان ينزل على إبراهيم وغير من الأنبياء عليهم السلام؛ما كان يسمى كتاباً، بل صحفاً[20].
وفي كلامه عن اليهود جاء باعتقادهم عن الشريعة:
واليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى عليه السلام وتمت به؛ فلم تكن قبله شريعة، إلا حدود عقلية، وأحكام مصلحية. ولا يجيزوا النسخ أصلاً؛ قالوا: فلا يكون بعد شريعة أصلاً لأن النسخ في الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى[21].
واستعمل الشهرستاني كلمة "تدعي" مما يدل على موقفه من كلام اليهود بأن هذا بمجرد الادعاء ولا حقيقة له.
وأما "تحقيق ما للهند" للبيروني (ت 440هـ) فقد نهج المنهج الظاهراتي أو المنهج الأنثروبولوجي (على تعبير علماء المعاصرين). فمن الأقوال التي تبرز منهج البيروني الظاهراتي كما يلي:
إنما صدق قول القائل "ليس الخبر كالعيان" لأن العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله، ولولا لواحق آفات بالخبر لكانت فضيلته تبين على العيان والنظر لقصورهما على الوجود الذي لا يتعدى آنات الزمان وتناول الخبر إياها وما قبلها من ماضي الأزمنة...وليس الكتاب كتاب حجاج وجدل حتى أستعمل فيه بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحق، وإنما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه...[22].
فالبيروني قد جعل دراسته على عمل ميداني وهو المعاينة والحكاية[23]، وقد يبين موقفه من خلال مقارنته بين المنظومات الدينية، إذ أكّد البيروني الإيمان بالله تعالى عندما اهتمّ بـ "ذكر اعتقادهم في اللّه سبحانه":
واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء المختار في فعله القادر الحكيم الحي المحيي المدبر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ ولنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط...[24].
        ويظهر البيروني أيضاً معرفة بالتصوف وكثيراً ما يقارن في هذا الكتاب عقائد الهندوس بعقائد الصوفية[25]، مثلاً قال:
...وهذه آراء يذهب إليها الصوفية لتشابه الموضوع، وكانوا يرون في الأنفس والأرواح أنها قائمة بذواتها قبل التجسد بالأبدان معدودة مجندة تتحرف تتعارف وتتناكر وأنها تكتسب في الأجساد بالخيرورة ما يحصل لها به بعد مفارقة الأبدان الاقتدار على تصاريف العالَم...[26].
فإظهار العلماء بعض مواقفهم وتحكيماتهم في الدراسة والبحث في المنهج الوصفي البياني ليس بمناف بالعدل والقسط بل هذا البيان هو المفروض والمطلوب لأن من حق العلم البيان.
الخاتمة
هناك جدل بين الغربيين في تعيين أفضل المناهج في دراسة الأديان، فقرر بعض الغربيين أن المنهج الوصفي الذي يقوم على دراسة تاريخية أو ظاهراتية هو أفضل المناهج في دراسة الأديان، حيث يتصف بالموضوعية، لأنهم اقتصروا على الوصف والبيان فحسب، وأما التحكيم والتقييم فمتروك للقراء. فلذلك، قد فرّقوا بين علم أصول الدين وعلم مقارنة الأديان أو دراسة الأديان؛ من حيث أن الأول على المنهج الجدلي النقدي والثاني على المنهج الوصفي البياني. والمنهج الأول وصفوه بعدم الموضوعية أي أنه يقوم على الدراسة الذاتية، فأدخلوه في علم اللاهوت؛ ويسمى هذا العلم عند المسلمين بعلم أصول الدين أو علم الكلام، فرفضوا المؤلفات الجزيلة العظيمة عند المسلمين المتقدمين في دراسة الأديان لعدم توفر عنصر الموضوعية في دراساتهم[27]. حيث اتهم جاقس واردنبرخ (Jacques Waardenburgh) المسلمين بأنهم لم يعرفوا الأديان الأخرى أصلا بل كانت دراساتهم هي الدراسة المبنية على التصورات والتخيلات، لاعتقادهم بأن الإسلام هو وحده الدين الحق[28].
فأما نحن، فنقرر على أن الموضوعية ليست منحصرة على منهج معين بل الموضوعية في الإسلام هي عبارة عن العلم والعدل، فلا بد أن نراعيها في جميع المناهج سواء في المنهج الوصفي البياني أو المنهج الجدلي النقدي. فإظهار العلماء تقييمهم ومواقفهم وتحكيماتهم في الدراسة والبحث ليس بمناف بالموضوعية، بل هذا التقييم هو المفروض والمطلوب لأن من حق العلم بيان الحكم. وهذا ما قرره وأكده علماء المسلمين المعاصرين -مثل الفاروقي ومحمد أبو زهرة- للدفاع عن الثروة العلمية العظيمة في مؤلفات المتقدمين. فالدراسة الموضوعية عندنا هي التي تقوم على أساس العلم والعدل في الفهم والبيان والتقييم وليس في الفهم والبيان فحسب -لأن معظم الغربيين رفضوا التقييم في دراسة الأديان-.
ولقد اشتمل القرآن على منطلقات عقدية وأخلاقية تؤسس لمنهج موضوعي قويم في دراسة الأديان الأخرى دراسةً عادلةً علميةً. فالمسلمون هم أول من اهتم بهذا العلم وقدموا في مجال مقارنة الأديان بحوث وكتب قيمة تقوم على أساس العلم مملوء بالحجج والبراهين. فالغرض الأساسي من النهج في المنهج المعين هو من أجل الوصول إلى الحق والحقيقة.
فالواضح من مناهج علماء المسلمين المتقدمين والمعاصرين، أن الأهم في دراسة الأديان هو ما يقوم على أساس العلم والعدل؛ كما في قوله تعالى: ]وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً[ (الإسراء: 36) وقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[ (المائدة: 8).
وثمة فارق كبير بين دراسة الأديان دراسة جدلية تهدف إلى إثبات تفوق ديانة معينة على غيرها من الأديان، باستعمال علم الكلام ومعايير جدلية وروح استعلائية، ودراسة الأديان دراسة وصفية بيانية تهدف إلى فهم الآخر، وتكوين صورة واضحة له بوصفِهِ إنساناً مُكرَّماً. وليست الموضوعية المعتبرة عند علماء المسلمين في دراسة الأديان تجريداً للإنسان عن إنسانيته، ولا اقصاء لمنطلقاته الروحية والإيمانية، فهذه جميعها تبقى حاضرة في الإنسان، وهي التي تحول دون أن يصبح العقل انعكاساً أو استنساخاً لصورة الواقع المادي. واشتمل القرآن على منطلقات عقدية وأخلاقية تؤسس لمنهج موضوعي قويم في دراسة الأديان الأخرى دراسة عادلة ونـزيهة، بعيدة عن نـزعات الهوى ووثنية الذات، كما استطاع الفكر الإسلامي أن يقدم نماذج مبكرة للدراسات الدينية الموضوعية[29].
وبهذا الكلام يتضح لنا أن الموضوعية التي أبطلت جميع التراث الإسلامي في دراسة الأديان هي الموضوعية الزائفة؛ الموضوعية التي أكرهت الباحث المسلم أن يشك بالإسلام ويقر بسواسية الأديان، وأكرهت الباحث المسلم أن يتجرد من معتقداته الدينية في جميع البحوث والدراسات لا سيما في دراسة الأديان-؛ تحقيقاً للملة المسماة بالعلمانية بالفصل بين الدنيا والدين. فكما قال الله تعالى: ]وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ[ (البقرة: 120).
فالقرآن العظيم في تقييمه للبحوث والدراسات قد أعطى عناية كبيرة للعدل والقسط، بل قد أمر المؤمنين بالعدل والقسط في جميع أمورهم حتى مع الأعداء كما في قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[ (المائدة: 8). فالعدل والقسط كما عرفهما لسان العرب: "القِسْط بالكسر العَدْلُ وهو من المصادر الموصوف بها كعَدْل...وقوله تعالى: ]ونضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ[ أَي ذواتِ القِسْط. وقال تعالى: ]وزِنُوا بالقِسْطاسِ المُسْتَقِيم[. قال اللّه تعالى: ]إِن اللّه يُحب المقسطين[ والإِقْساطُ العَدل في القسْمة والحُكم"[30]. فمبدأ العدل في الإسلام هو العدل في المقدور الإنساني، فهو أشمل وأكمل للوصول إلى الحقيقة[31].
-والله أعلم-


Waardenburg, Jacques (2009), “Muslims as Actors: Islamic Meanings and Muslim Interpretations in انظر:[1]    thePerspective of the Study of Religions,” (Berlin: Walter de Gruyter, 2007)  p55.
Anis Malik Thoha (2009), “Objectivity and the Scientific Study of Religions,” in Intellectual Discourseانظر: [2]     Vol. 17, No. 1, p83,85.
Seyyed Hossein Nasr “Islam and the Encounter of Religions,” in Islamic Quarterly, X, p62-63انظر: [3]  
[4]عبد الوهاب محمد المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (القاهرة: دار الشروق، ط1، 1999م) ج1، ص95.
[5] المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ج1، ص95.
[6] المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ج1، ص95.
[7] المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ج1، ص96.
[8]عامر الحافي، الموضوعية في دراسة الأديان، في موقع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، اسلامية المعرفة، http://www.eiiit.org/resources/eiiit/eiiit/eiiit_article_read.asp?articleID=897&catID=17&adad=65 موجود في الإنترنيت بتاريخ 25 يناير 2011.
[9]أحمد الشلبي، اليهودية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ط8، 1988م) ص31.
[10]أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفرق بين الفرق، تحقيق: محمد عثمان الخشت، (القاهرة: مكتبة ابن سينا، د.ط.، د.ت.) ص207.
[11]أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، (جدة: شركة مكتبات عكاظ، ط1، 1402هـ/1982م) ج2، ص161-162.
[12]ابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج2، ص30.
Anis Malik Thoha (2009), “Objectivity and the Scientific Study of Religions”,  p88.  انظر: [13]
Al-Fārūqī, Ismā’il R., “Meta-Religion: Towards A Critical World Theology,” In American Journal of انظر:   [14]  Islamic Social Sciences, 3, no. 1 (1986), 28.
[15]أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، (بيروت: المكتبة العصرية، ط1، 1411هـ/1990م) ج1، ص33.
[16]أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص344.
[17]أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص281.
[18]أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، ص233.
[19]أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبو بكر أحمد الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، (بيروت: دار المعرفة، د.ط.، 1402هـ/1982م) ج1، ص12-13.
[20]الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص210.
[21]الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص211.
[22]أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو المرذولة، (حيدرآباد: دائرة المعارف العثمانية، د.ط.، 1377هـ/1957م) ص1 و5، في ويكي مصدر، ملف: تحقيق ما للهند.pdf، http://ar.wikisource.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%84%D9%81:%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82_%D9%85%D8%A7_%D9%84%D9%84%D9%87%D9%86%D8%AF.pdf&page=1 موجود في الإنترنيت بتاريخ 15 فبراير 2011.
[23]انظر: علي بن المبارك، منهج البيروني في دراسة الأديان، في ايران والعرب، ثقافتنا، http://www.iranarab.com/Default.asp?Page=ViewArticle&ArticleID=835 موجود في الإنترنيت بتاريخ 25 يناير 2011.
[24]أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو المرذولة، (حيدرآباد: دائرة المعارف العثمانية، د.ط.، 1377هـ/1957م) ص20، في ويكي مصدر، ملف: تحقيق ما للهند.pdf، http://ar.wikisource.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%84%D9%81:%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82_%D9%85%D8%A7_%D9%84%D9%84%D9%87%D9%86%D8%AF.pdf&page=1 موجود في الإنترنيت بتاريخ 15 فبراير 2011.
[25]سيد حسين نصر، مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية، ترجمة: سيف الدين القصير، (سورية: دار الحوار، ط1، 1991م) ص87.
[26]البيروني، تحقيق ما للهند، ص25.
Anis Malik Thoha (2009), “Objectivity and the Scientific Study of Religions,” in Intellectual Discourse انظر:[27]        Vol. 17, No. 1, p83-84.
Waardenburg, Jacques (2009), “Muslims as Actors: Islamic Meanings and Muslim Interpretations inانظر: [28]   the Perspective of the Study of Religions,” (Berlin: Walter de Gruyter, 2007)  p55, and Anis Malik Thoha (2009), “Objectivity and the Scientific Study of Religions,” p85.
[29]انظر: عامر الحافي، الموضوعية في دراسة الأديان.
[30]جمال الدين حمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، اعتناء: أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، د.ت.) ج11، ص159-160.
Anis Malik Thoha (2009), “Objectivity and the Scientific Study of Religions”,  p89.  انظر: [31]


No comments:

Post a Comment